الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
321
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الانتقام منهم هو البطشة الكبرى ، وهي الانتقام التامّ ، ولأجل هذا التطلع والتساؤل أكدا بخبر بحرف التأكيد دفعا للتردد . وأصل تركيب الجملة : إنا منتقمون يوم نبطش البطشة الكبرى ، ف يَوْمَ منصوب على المفعول فيه لاسم الفاعل وهو مُنْتَقِمُونَ . وتقدم على عامله للاهتمام به لتهويله ولا يمنع من هذا التعليق أن العامل في الظرف خبر عن ( إنّ ) بناء على الشائع من كلام النحاة أن ما بعد ( إنّ ) لا يعمل فيما قبلها فإن الظروف ونحوها يتوسع فيها . و الْبَطْشَةَ الْكُبْرى : هي بطشة يوم بدر فإن ما أصاب صناديد المشركين يومئذ كان بطشة بالشرك وأهله لأنهم فقدوا سادتهم وذوي الرأي منهم الذين كانوا يسيّرون أهل مكة كما يريدون . والبطشة : واحدة البطش وهو : الأخذ الشديد بعنف ، وتقدم في قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها في سورة الأعراف [ 195 ] . [ 17 - 21 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 17 إلى 21 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) جعل اللّه قصة قوم فرعون مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل مثلا لحال المشركين مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين به ، وجعل ما حلّ بهم إنذارا بما سيحلّ بالمشركين من القحط والبطشة مع تقريب حصول ذلك وإمكانه ويسره وإن كانوا في حالة قوة فإن اللّه قادر عليهم ، كما قال تعالى : فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً [ الزخرف : 8 ] فذكرها هنا تأييد للنبي ووعد له بالنصر وحسن العاقبة ، وتهديد للمشركين . وهذا المثل وإن كان تشبيها لمجموع الحالة بالحالة فهو قابل للتوزيع بأن يشبّه أبو جهل بفرعون ، ويشبه أتباعه بملإ فرعون وقومه أو يشبه محمد صلى اللّه عليه وسلّم بموسى عليه السلام ، ويشبه المسلمون ببني إسرائيل . وقبول المثل لتوزيع التشبيه من محاسنه . وموقع جملة وَلَقَدْ فَتَنَّا يجوز أن يكون موقع الحال فتكون الواو للحال وهي حال من ضمير إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ الدخان : 16 ] . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة إِنَّا مُنْتَقِمُونَ